أبو نصر الفارابي

41

الجمع بين رأيي الحكيمين

بعد أرسطو ظهرت في اثينا مدرستان متعاصرتان متعارضتان ، هما المدرسة الابيقورية والمدرسة الرواقية ، عنيتا خصوصا بالأخلاق . تقول الابيقورية بكثرة الموجودات وتدعها لفعل الصدفة دون رابط ولا قانون . وتضع السعادة في اللذة وتجعل قانون الاخلاق المنفعة الذاتية ، وتقصي الآلهة خارج العالم وتنكر دعاءهم . فهي مدرسة مادية . اما الرواقية فتقول بوحدة الوجود وبقانون ضروري أو عقل كلي منبث في الوجود ، وتلتمس أساس الاخلاق في حرية الإرادة وتعين لها قانونا هو الواجب ، واجب المطابقة بين الإرادة الفردية والإرادة الكلية ، وتضع السعادة في الواجب وعبادة العقل الكلي ، فهي مدرسة عقلية على الرغم من ماديتها ، ومدرسة فضيلة وشجاعة . ثم انحصر العمل الفلسفي في شرح أبحاث المتقدمين وتدوين الملخصات ، ولكنه كان عملا قويا ساهمت فيه شعوب البحر المتوسط ، إذ كانت الثقافة اليونانية قد سادت بينهم وغلبت ثقافتهم . وفي مقدمة المراكز العلمية الجديدة مدينة الإسكندرية . وكان بالإسكندرية جالية يهودية تأدبت بالأدب اليوناني حتى نسيت العبرية ، ولم تكن تقرأ التوراة الّا في ترجمتها اليونانية . الأفلاطونية الجديدة بعد وفاة أفلاطون اخذ اتباعه يحاولون وضع فلسفة دينية أو دين مفلسف . فالافلاطونية الجديدة مذهب قام على أصول افلاطونية وتمثل عناصر من جميع المذاهب ، فلسفية ودينية ، يونانية وشرقية ، بما في ذلك السحر والتنجيم والعرافة ؛ غير أن رجالها حرصوا على الاحتفاظ بالروح اليوناني خالصا ، اي بالعقلية العلمية التي تنظر إلى الوجود كأنه هندسة كبرى ، فتستبعد منه ، بقدر المستطاع ، الممكن والحادث ، وتخضعه للضرورة . وبذا يعارضون الديانات جميعا ، ومنها اليهودية والمسيحية مع تأثرهم بها ، ويعارضون أفلاطون نفسه في تصويره الصانع يتدخل تدخلا شخصيا طوعا لخيريته ، وينظم العالم وفقا للمثل ، فيتوخى غايات ، ويخلق الزمان . والأفلاطونية الجديدة سورية إسكندرية اثينية . ويعتبر امونيوس ساكاس ( 175 - 250 م ) ابرز افلاطوني الإسكندرية ، ولد بن أبوين مسيحيين ، ونشأ مسيحيا . كان حمالا ( وهذا معنى لفظ ساكاس المضاف لي اسمه ) ، فلما تفلسف ارتد عن المسيحية . لم يدوّن آراءه ، ويقال إنه كان يحاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو « في أهم النقط أكثرها ضرورة » وهي : اللّه ، والعالم ، والنفس . ومن ابرز تلاميذه افلوطين .